ملا محمد مهدي النراقي

474

جامع الأفكار وناقد الأنظار

الوجود والاعدام راجعة إلى العدم ، ومنبع الوجود هو الواجب - تعالى - ومنشأ الشرّ هو العدم ؛ ولا يلزم حينئذ شرك - كما مرّ في تأويل مذهب المجوس - . وعلى هذا يكون مرادهم من الخير والشرّ في شبهتهم : الوجود والعدم ومن الخيّر والشرّير : فاعل الوجود والعدم . فتقرير شبهتهم حينئذ : انّا نرى في العالم تحقّق الموجودات والاعدام والواحد لا يكون خيّرا شرّيرا - أي : فاعلا لهما - ، فيجب أن يتحقّق مبدءان . ثمّ لمّا وجب أن يكون فاعل الوجود وجودا وفاعل العدم عدما البتة فلو كان الفاعل لهما شيئا واحدا يلزم أن يكون خيرا محضا وشرّا محضا ، لأنّ الوجود خير محض والعدم شرّ محض . وبذلك يندفع ما لعلّه يقال : « انّه لمجرد تحقّق الوجودات والأعدام في العالم لا يلزم أن يكون شيء واحد - لو كان هو المبدأ - خيرا محضا وشرّا محضا » . ثمّ كون الشيء الواحد خيرا محضا وشرّا محضا - أي : وجودا وعدما - بديهي البطلان ؛ ولذا قالوا : الواحد لا يكون خيّرا وشرّيرا - أي : خيّرا محضا أو شرّيرا محضا - . ولا يحمل الخيّر في شبهتهم على من يغلب خيره على شرّه ، والشرّير على من يغلب شرّه على خيره - كما ينبئ عنه ظاهر العبارة - . ولم يرد على هذا الحمل : انّ ذلك غير لازم ممّا ذكر - أي : لزوم كون الواحد بحيث يغلب خيره على شرّه وشرّه على خيره غير لازم من دليلهم - ، لأنّهم قالوا : نجد في العالم خيرا / 109 MB / كثيرا وشرّا كثيرا ، وهذا لا يستلزم أن يكون كلّ واحد من الخير والشرّ غالبا ومغلوبا حتّى لو كان الفاعل لهما واحدا كان كلّ واحد من خيره وشرّه غالبا . لانّه يجوز أن يكونا متساويين في الكثرة أو أحدهما فقط غالبا . فلم يلزم من دليلهم ثبوت العلّية بهما معا حتّى يراد من الخير من يغلب خيره ومن الشرّ من يغلب شرّه على خيره . فتعيّن - كما أوردنا - أن يراد من الخير والشرّ : الخير المحض والشرّ المحض - بالتوجيه الّذي ذكرناه - . ولو لم يحمل الخيّر والشرّير على ذلك لتوجّه المنع على قولهم : الواحد لا يكون خيّرا وشرّيرا إذ لقائل أن يقول : يجوز أن يكون شيء واحد مبدأ للخير والشرّ ، إمّا بالتساوي أو مع غلبة أحدهما . وعلى ما ذكر من التأويل لكلامهم يكون كلامهم مرموزا ، فما يرد عليهم وإن كان متوجّها على ظاهر أقاويلهم الّا أنّه لا يرد على